الشيخ محمد هادي معرفة
155
التفسير الأثرى الجامع
إذن فرفع الرأس واليدين إلى السماء حالة الضراعة إلى اللّه والابتهال إليه ، إنّما هو لهذا الإحساس الباطني : أنّ البركات تنزل من عالم أرفع ، هو محيط بنا وفوق من كلّ جهات الأرض . الإنسان بفطرته يدرك بأنّ تدابير شؤون هذه الحياة المادّيّة ، إنّما تتّخذ في عالم آخر وراء عالمنا المادّي ، حيث يشاهد أنّ ما أحاط به من مظاهر الحياة ، إنّما هي جميعا أمثاله ، ذوات حاجة وافتقار إلى مدبّر شؤونها ، ومن يقوم بسداد خللها ، فلا بدّ أنّ وراء هذا المظهر ذي النقص والعجز ، من جهاز مقتدر غنيّ ، هو الّذي يكفل تدابير عالمنا المادّي ، وليس سوى كونه خارج هذا الإطار المفتقر بالذات . وإذا كان الإنسان يرى من ذاك العالم اللّامادّي وراء هذا العالم ، فإنّه يراه محيطا به من كلّ الجوانب ، إحاطة المدبّر - بالكسر - بالمدبّر - بالفتح ، وأعلى منه ، علوّ الكمال على النقص ، ومتباينا منه ، تباين القدرة عن العجز . وبعد ، فإذا كان الإنسان يرى ما بين العالمين هذا التباعد ، وكان يرى من عالم الشهود مدّ بصره في جميع جوانبه ، يا ترى ، فأين يقع عالم الغيب ؟ ! لا بدّ أنّه محيط بهذا العالم ، وإذا كان محيطا به فهو فوقه وأعلى منه ، لأنّ كلّ محيط بجسم كرويّ هو فوقه من جميع جوانبه لا محالة . هكذا يتصوّره تجسيم الخيال . إذن فعالم الغيب المدبّر لعالم الشهود هو فوقه وفوق ما نعيش فيه من المادّيّات السّفلى ، قياسا لغير المحسوس بالمحسوس في كلّ ما يتصوّره الإنسان من شؤون ما وراء محسوسه ، إذا ما قاسه بما لديه من محسوسات . قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » . تنزيلا من عالم الغيب إلى عالم الشهود ، الأمر الّذي دعا بالمؤمنين وغير المؤمنين من سائر الموحّدين ، بل ومن كلّ من يعتقد بما وراء الحسّ ، أنّ الرحمة والبركات تنزل من عند اللّه العليّ القدير ، من عالم هو أسمى وأسنى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ « 2 » وهكذا أجاب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في جواب عبد اللّه بن سبأ حينما سأله عن سبب رفع اليدين إلى السماء عند الدعاء :
--> ( 1 ) الحجر 15 : 21 . ( 2 ) الذاريات 51 : 22 .